صديق الحسيني القنوجي البخاري

495

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقى من البرد لأن الغل إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد ، ولا سيما وقد قال اللّه : فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فقد علم أنه يراد به الأيدي فهم مقمحون ، أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق لأن من غلت يداه إلى ذقنه ارتفع رأسه . وروي عن ابن عباس أنه قرأ « إنا جعلنا في أيديهم أغلالا » وعن ابن مسعود أنه قرأ « إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا » كما روي سابقا عن ابن عباس ، وعنه قال : الأغلال ما بين الصدر إلى الذقن فهم مقمحون كما تقمح الدابة باللجام . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا أي منعناهم عن الإيمان بموانع فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد ، والسد : بضم السين وفتحها لغتان . قال الضحاك : سدا أي الدنيا وسدا أي الآخرة ، قيل : بالعكس فَأَغْشَيْناهُمْ بالغين المعجمة أي غطينا أبصارهم على حذف مضاف ، وقرىء : بالعين المهملة من العشا ، وهو ضعف البصر ، ومنه : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ [ الزخرف : 36 ] فهم بسبب ذلك . لا يُبْصِرُونَ أي لا يقدرون على إبصار شيء ، قال الفراء : فألبسنا أبصارهم غشاوة أي عمى ، فهم لا يبصرون سبيل الهدى ، وكذا قال قتادة إن المعنى لا يبصرون الهدى ، وقال السدي : لا يبصرون محمدا صلّى اللّه عليه وسلم حين ائتمروا على قتله . وعن ابن عباس قال : في السد كانوا يمرون على النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلا يرونه ، وعنه أيضا قال : « اجتمعت قريش بباب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ينتظرون خروجه ليؤذوه فشق ذلك عليه ، فأتاه جبريل بسورة يس وأمره بالخروج عليهم ، فأخذ كفا من تراب وخرج وهو يقرؤها ويذر التراب على رؤوسهم ، فما رأوه حتى جاز فجعل أحدهم يلمس رأسه فيجد التراب ، وجاء بعضهم فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا ننتظر محمدا فقال : لقد رأيته داخل المسجد ، قال : قوموا فقد سحركم » . قال الضحاك في الآية أي عموا عن البعث ، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا ، قال تعالى : وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [ فصلت : 25 ] ، قال البيضاوي ، هذا تمثيل آخر بمن أحاط بهم سدان فغطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل . وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ أي إنذارك إياهم وعدمه سواء ، وهذا بيان لشأنهم بطريق التوبيخ بعد بيانه بطريق التمثيل ، وجملة : لا يُؤْمِنُونَ مستأنفة مبينة لما قبلها من الاستواء أو حال مؤكدة أو بدل منه . وروي أن عمر بن بعد العزيز قرأ هذه الآية على غيلان القدري . فقال : كأني لم